رفيق العجم

مقدمة 11

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي

الجسور لا خوض الجبان الحذور ، وأتوغّل في كل مظلمة ، وأتهجّم على كل مشكلة ، وأقتحم كل ورطة ، وأتفحّص من عقيدة كل فرقة ، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة ، لا أميّز بين محقّ ومبطل ومتسنّن ومبتدع . . . وقد كان التعطّش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري ، غريزة وفطرة من اللّه تعالى وضعتا في جبلتي ، لا باختياري وحيلتي ، حتى انحلّت عني رابطة التقليد ، وانكسرت عليّ العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا . . . إلى أن يقول : . . . إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور ، فلا بدّ من طلب حقيقة العلم ما هي ؟ فظهر لي أن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب ، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم . . . » « 1 » . هذا العرض الاستبطاني الذي قام به الغزالي لنفسه يبرّر حصول وتوالي الأزمات الشكّية التي عصفت به ، وكانت أشدّها تلك التي غادر فيها بغداد . إذ وصف حاله قائلا : « ثم تفكّرت في نيّتي في التدريس فإذا هي غير خالصة لوجه اللّه تعالى بل باعثها ومحرّكها طلب الجاه وانتشار الصيت ، فتيقّنت أني على شفا جرف هاو ، وأني قد أشفيت على النار ، إن لم أشتغل بتلافي الأحوال . فلم أزل أتفكّر فيه مدة ، وأنا بعد على معاق الاختيار ، أصمّم العزم على الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال يوما ، وأحلّ العزم يوما ، وأقدّم فيه رجلا وأؤخّر عنه أخرى . . . فلم أزل أتردّد بين تجاذب شهوات الدنيا ، ودواعي الآخرة ، قريبا من ستة أشهر » . ولم يلبث أن اشتدّ عليه الحال فظهر على الجسد الاعتلال ، ففي رجب سنة ثمان وثمانين وأربع مائة « . . . جاوز الأمر حدّ الاختيار إلى الاضطرار ، إذ أقفل اللّه على لساني حتى اعتقل عن التدريس ، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوما واحدا تطييبا لقلوب المختلفة ، فكان لا ينطق لساني بكلمة ولا استطيعها البتّة ، ثم أورثت هذه العقلة في اللسان حزنا في القلب ، بطل معه قوة الهضم ومراءة الطعام والشراب ، فكان لا ينساغ لي شربة ، ولا تنهضم لي لقمة ، وتعدّى إلى ضعف القوى ، حتى قطع الأطباء طمعهم عن العلاج وقالوا : « هذا أمر نزل بالقلب ، ومنه سرى إلى المزاج ، فلا سبيل إليه بالعلاج ، إلّا بأن يتروّح السر عن الهمّ الملمّ » « 2 » وهذا الحال كما يبدو اضطراب نفسي حادّ ظهر من خلال وصف عوارض الجسد وانشغال النفس وحيرتها . إذ يتابع الإمام فيقول : « ثم لما أحسست بعجزي ، وسقط بالكلية اختياري ، التجأت إلى اللّه تعالى التجاء المضطرّ الذي لا صلة له ، فأجابني الذي ، يجيب المضطرّ إذا دعاه ، وسهّل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأهل والولد والأصحاب ، وأظهرت أمر الخروج إلى مكة وأنا أدّبر في نفسي

--> ( 1 ) المرجع ذاته ، ص 50 - 51 . ( 2 ) المرجع ذاته ، ص 80 - 81 .